فصل: تفسير الآية رقم (139):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (136):

{أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136)}
رتب تعالى بفضله وكرمه غفران الذنوب لمن أخلص في توبته ولم يصر على ذنبه. ويكن أن يتصل هذا بقصة أحد، أي من فر ثم تاب ولم يصر فله مغفرة الله.

.تفسير الآية رقم (137):

{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137)}
هذا تسلية من الله تعالى للمؤمنين، والسنن جمع سنة وهي الطريق المستقيم. وفلان على السنة أي على طريق الاستواء لا يميل إلى شيء من الاهواء، قال الهذلي:
فلا تجزعن من سنة أنت سرتها ** فأول راض سنة من يسيرها

والسنة: الامام المتبع المؤتم به، يقال: سن فلان سنة حسنة وسيئة إذا عمل عملا اقتدي به فيه من خير أو شر، قال لبيد:
من معشر سنت لهم آباؤهم ** ولكل قوم سنة وإمامها

والسنة الامة، والسنن الأمم، عن المفضل. وأنشد:
ما عاين الناس من فضل كفضلهم ** ولا رأوا مثلهم في سالف السنن

وقال الزجاج: والمعنى أهل سنن، فحذف المضاف.
وقال أبو زيد: أمثال. عطاء: شرائع. مجاهد: المعنى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} يعني بالهلاك فيمن كذب قبلكم كعاد وثمود. والعاقبة: آخر الامر، وهذا في يوم أحد. يقول فأنا أمهلهم وأملي لهم واستدرجهم حتى يبلغ الكتاب أجله، يعني بنصرة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمؤمنين وهلاك أعدائهم الكافرين.

.تفسير الآية رقم (138):

{هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)}
يعني القرآن، عن الحسن وغيره.
وقيل: هذا إشارة إلى قوله: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ}. والموعظة الوعظ. وقد تقدم.

.تفسير الآية رقم (139):

{وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)}
عزاهم وسلاهم بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، وحثهم على قتال عدوهم ونهاهم عن العجز والفشل فقال: {وَلا تَهِنُوا} أي لا تضعفوا ولا تجبنوا يا أصحاب محمد عن جهاد أعدائكم لما أصابكم.
أصابكم. {وَلا تَحْزَنُوا} على ظهورهم، ولا على ما أصابكم من الهزيمة والمصيبة. {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} أي لكم تكون العاقبة بالنصر والظفر {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي بصدق وعدي.
وقيل: {إِنْ} بمعنى إذ. قال ابن عباس: انهزم أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أحد فبيناهم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل، من المشركين، يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «اللهم لا يعلن علينا اللهم لا قوة لنا إلا بك اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر». فأنزل الله هذه الآيات. وثاب نفر من المسلمين رماه فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم، فذلك قوله تعالى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} يعني الغالبين على الاعداء بعد أحد. فلم يخرجوا بعد ذلك عسكرا إلا ظفروا في كل عسكر كان في عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي كل عسكر كان بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان فيه واحد من الصحابة كان الظفر لهم، وهذه البلدان كلها إنما افتتحت على عهد أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم بعد انقراضهم ما افتتحت بلدة على الوجه كما كانوا يفتتحون في ذلك الوقت.
وفي هذه الآية بيان فضل هذه الامة، لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه، لأنه قال لموسى: {إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى} [طه: 68] وقال لهذه الامة: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ}. وهذه اللفظة مشتقة من اسمه الأعلى فهو سبحانه العلي، وقال للمؤمنين: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ}.

.تفسير الآية رقم (140):

{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)}
قوله تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} القرح الجرح. والضم والفتح فيه لغتان عن الكسائي والأخفش، مثل عقر وعقر. الفراء: هو بالفتح الجرح، وبالضم ألمه. والمعنى: إن يمسسكم يوم أحد قرح فقد مس القوم يوم بدر قرح مثله. وقرأ محمد بن السميقع {قرح} بفتح القاف والراء على المصدر. {وتلك الأيام نداولها بين الناس} قيل: هذا في الحرب، تكون مرة للمؤمنين لينصر الله عز وجل دينه، ومرة للكافرين إذا عصى المؤمنون ليبتليهم ويمحص ذنوبهم، فأما إذا لم يعصوا فإن حزب الله هم الغالبون.
وقيل: {نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ} من فرح وغم وصحة وسقم وغنى وفقر. والدولة الكرة، قال الشاعر:
فيوم لنا ويوم علينا ** ويوم نساء ويوم نسر

قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} معناه، وإنما كانت هذه المداولة ليرى المؤمن من المنافق فيميز بعضهم من بعض، كما قال: {وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا} [آل عمران: 166- 167].
وقيل: ليعلم صبر المؤمنين، العلم الذي يقع عليه الجزاء كما علمه غيبا قبل أن كلفهم. وقد تقدم في البقرة هذا المعنى.
قوله تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ} فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ} أي يكرمكم بالشهادة، أي ليقتل قوم فيكونوا شهدا على الناس بأعمالهم.
وقيل: لهذا قيل شهيد: وقيل: سمي شهيدا لأنه مشهود له بالجنة وقيل: سمي شهيدا لان أرواحهم احتضرت دار السلام، لأنهم أحياء عند ربهم، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة، فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة، وهذا هو الصحيح على ما يأتي والشهادة فضلها عظيم، ويكفيك في فضلها قول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ} [التوبة: 111] الآية. {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} إلى قوله: {ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الصف: 101- 112].
وفي صحيح البستي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من القرحة».
وروى النسائي عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن رجلا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة».
وفي البخاري: من قتل من المسلمين يوم أحد منهم حمزة واليمان والنضر بن أنس ومصعب بن عمير، حدثني عمرو بن علي أن معاذ ابن هشام قال حدثني أبي عن قتادة قال: ما نعلم حيا من أحياء العرب أكثر شهيدا أعز يوم القيامة من الأنصار. قال قتادة: وحدثنا أنس بن مالك أنه قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون. قال: وكان بئر معونة على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويوم اليمامة على عهد أبى بكر يوم مسيلمة الكذاب.
وقال أنس: أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعلى بن أبى طالب وبه نيف وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية، فجعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسحها وهى تلتئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن.
الثانية: في قوله تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ} دليل على أن الإرادة غير الامر كما يقوله أهل السنة، إن الله تعالى نهى الكفار عن قتل المؤمنين: حمزة وأصحابه وأراد قتلهم، ونهى آدم عن أكل الشجرة وأراده فواقعه آدم، وعكسه أنه أمر إبليس بالسجود ولم يرده فامتنع منه، وعنه وقعت الإشارة بقوله الحق: {وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ}. وإن كان قد أمر جميعهم بالجهاد، ولكنه خلق الكسل والأسباب القاطعة عن المسير فقعدوا.
الثالثة: روي عن علي؟ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم بدر فقال له: «خير أصحابك في الأسارى إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم عام المقبل مثلهم فقالوا الفداء ويقتل منا» أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. فأنجز الله وعده بشهادة أوليائه بعد أن خيرهم فاختاروا القتل. {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} أي المشركين، أي وإن أنال الكفار من المؤمنين فهو لا يحبهم، وإن أحل ألما بالمؤمنين فإنه يحب المؤمنين.

.تفسير الآية رقم (141):

{وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (141)}
فيه ثلاثة أقوال: يمحص: يختبر.
الثاني- يطهر، أي من ذنوبهم فهو على حذف مضاف. المعنى: وليمحص الله ذنوب الذين آمنوا، قاله الفراء.
الثالث- يمحص يخلص، فهذا أغربها. قال الخليل: يقال محصى الحبل يمحص محصا إذا انقطع وبره، ومنه: «اللهم محص عنا ذنوبنا» أي خلصنا من عقوبتها.
وقال أبو إسحاق الزجاج: قرأت على محمد بن يزيد عن الخليل: التمحيص التخليص. يقال: محصه يمحصه محصا إذا خلصه، فالمعنى عليه ليبتلي المؤمنين ليثيبهم ويخلصهم من ذنوبهم. {وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ} أي يستأصلهم بالهلاك.

.تفسير الآية رقم (142):

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)}
{أَمْ} بمعنى بل.
وقيل: الميم زائدة، والمعنى أحسبتم يأمن انهزم يوم أحد أن تدخلوا الجنة كما دخل الذين قتلوا وصبروا على ألم الجراح والقتل من غير أن تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم لا، حتى {يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ} أي علم شهادة حتى يقع عليه الجزاء. والمعنى: ولم تجاهدوا فيعلم ذلك منكم، فلما بمعنى لم. وفرق سيبويه بين لم ولما فزعم أن لم يفعل نفي فعل، وأن لم يفعل. نفى قد فعل. {وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} منصوب بإضمار أن، عن الخليل. وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر {يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} بالجزم على النسق. وقرى بالرفع على القطع، أي وهو يعلم.
وروى هذه القراءة عبد الوارث عن أبي عمرو.
وقال الزجاج: الواو هنا بمعنى حتى، أي ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم حتى يعلم صبرهم كما تقدم آنفا.

.تفسير الآية رقم (143):

{وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143)}
قوله تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ} أي الشهادة من قبل أن تلقوه. وقرأ الأعمش {من قبل أن تلاقوه} أي من قبل القتل.
وقيل: من قبل أن تلقوا أسباب الموت وذلك أن كثيرا ممن لم يحضروا بدرا كانوا يتمنون يوما يكون فيه قتال، فلما كان يوم أحد انهزموا، وكان منهم من تجلد حتى قتل، ومنهم أنس بن النضر عم أنس بن مالك، فإنه قال لما انكشف المسلمون: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وباشر القتال وقال: إيها إنها ريح الجنة! إني لأجدها، ومضى حتى استشهد. قال أنس: فما عرفناه إلا ببنانه ووجدنا فيه بضعا وثمانين جراحة. وفيه أمثاله نزل {رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23]. فالآية عتاب في حق من انهزم، لا سيما وكان منهم حمل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الخروج من المدينة، وسيأتي. وتمني الموت يرجع من المسلمين إلى تمني الشهادة المبنية على الثبات والصبر على الجهاد، لا إلى قتل الكفار لهم، لأنه معصية وكفر ولا يجوز إرادة المعصية، وعلى هذا يحمل سؤال المسلمين من الله أن يرزقهم الشهادة، فيسألون الصبر على الجهاد وإن أدى إلى القتل.
قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} قال الأخفش: هو تكرير بمعنى التأكيد لقوله: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} مثل {وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ} [الأنعام: 38].
وقيل: معناه وأنتم بصراء ليس في أعينكم علل، كما تقول: قد رأيت كذا وكذا وليس في عينيك علة، أي فقد رأيته رؤية حقيقة، وهذا راجع إلى معنى التوكيد.
وقال بعضهم: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وفي الآية إضمار، أي فقد رأيتموه وأنتم تنظرون فلم انهزمتم؟.

.تفسير الآية رقم (144):

{وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)}
فيه خمس مسائل:
الأولى: روى أنها نزلت بسبب انهزام المسلمين يوم أحد حين صاح الشيطان: قد قتل محمد. قال عطية العوفي: فقال بعض الناس: قد أصيب محمد فأعطوهم بأيديكم فإنما هم إخوانكم.
وقال بعضهم: إن كان محمد قد أصيب ألا تمضون على ما مضى عليه نبيكم حتى تلحقوا به، فأنزل الله تعالى في ذلك {وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} إلى قول: {فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا} [آل عمران: 148]. وما نافية، وما بعدها ابتداء وخبر، وبطل عمل ما. وقرأ ابن عباس {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} بغير ألف ولام. فأعلم الله تعالى في هذه الآية أن الرسل ليست بباقية في قومها أبدا، وأنه يجب التمسك بما أتت به الرسل وإن فقد الرسول بموت أو قتل. وأكرم نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصفيه باسمين مشتقين من اسمه: محمد وأحمد، وتقول العرب: رجل محمود ومحمد إذا كثرت خصاله المحمودة، قال الشاعر:
إلى الماجد القرم الجواد المحمد

وقد مضى هذا في الفاتحة.
وقال عباس بن مرداس:
يا خاتم النبآء إنك مرسل ** بالخير كل هدى السبيل هداكا

إن الإله بنى عليك محبة ** في خلقه ومحمدا سماكا

فهذه الآية من تتمة العتاب مع المنهزمين، أي لم يكن لهم الانهزام وإن قتل محمد، والنبوة لا تدرأ الموت، والأديان لا تزول بموت الأنبياء. والله أعلم.
الثانية: هذه الآية أدل دليل على شجاعة الصديق وجرأته، فإن الشجاعة والجرأة حدهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما تقدم بيانه في البقرة فظهرت عنده شجاعته وعلمه. قال الناس: لم يمت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، منهم عمر، وخرس عثمان، واستخفى علي، واضطرب الامر فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسنح، الحديث، كذا في البخاري.
وفي سنن ابن ماجه عن عائشة قالت: لما قبض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر عند امرأته ابنة خارجة بالعوالي، فجعلوا يقولون: لم يمت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما هو بعض ما كان يأخذه عند الوحي. فجاء أبو بكر فكشف عن وجهه وقبل بين عينيه وقال: أنت أكرم على الله من أن يميتك! مرتين. قد والله مات رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعمر في ناحية المسجد يقول: والله ما مات رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يموت حتى يقطع أيدي أناس من المنافقين كثير وأرحلهم. فقام أبو بكر فصعد المنبر فقال: من كان يعبد الله فإن الله حي لم يمت، ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، {وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}. قال عمر: فلكأني لم أقرأها إلا يومئذ. ورجع عن مقالته التي قالها فيما ذكر الوائلي أبو نصر عبيد الله في كتابه الإبانة: عن أنس بن مالك أنه سمع عمر بن الخطاب حين بويع أبو بكر في مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستوى على منبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تشهد قبل أبي بكر فقال: أما بعد فإني قلت لكم أمس مقالة وإنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب أنزله الله ولا في عهد عهده إلي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى يدبرنا- يريد أن يقول حتى يكون آخرنا موتا- فاختار الله عز وجل لرسوله الذي عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسوله فخذوا به تهتدوا لما هدى له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال الوائلي أبو: نصر المقالة التي قالها ثم رجع عنها هي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يمت ولن يموت حتى يقطع أيدي رجال وأرجلهم وكان قال ذلك لعظيم ما ورد عليه، وخشي الفتنة وظهور المنافقين، فلما شاهد قوة يقين الصديق الأكبر أبي بكر، وتفوهه بقول الله عز وجل: {كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] وقوله: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30] وما قاله ذلك اليوم- تنبه وتثبيت وقال: كأني لم أسمع بالآية إلا من أبي بكر. وخرج الناس يتلونها في سكك المدينة، كأنها لم تنزل قط إلا ذلك اليوم. ومات صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الاثنين بلا اختلاف، في وقت دخوله المدينة في هجرته حين اشتد الضحاء، ودفن يوم الثلاثاء، وقيل ليلة الأربعاء. وقالت صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا ** وكنت بنا برا ولم تك جافيا

وكنت رحيما هاديا ومعلما ** ليبك عليك اليوم من كان باكيا

لعمرك ما أبكي النبي لفقده ** ولكن لما أخشى من الهرج آتيا

كأن على قلبي لذكر محمد ** وما خفت من بعد النبي المكاويا

أفاطم صلى الله رب محمد ** على جدث أمسى بيثرب ثاويا

فدى لرسول الله أمي وخالتي ** وعمي وآبائي ونفسي وماليا

صدقت وبلغت الرسالة صادقا ** ومت صليت العود أبلج صافيا

فلو أن رب الناس أبقى نبينا ** سعدنا ولكن أمره كان ماضيا

عليك من الله السلام تحية ** وأدخلت جنات من عدن راضيا

أرى حسنا أيتمته وتركته ** يبكي ويدعو جده اليوم ناعيا

فإن قيل وهي: الثالثة: فلم أخر دفن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد قال لأهل بيت أخروا دفن ميتهم: «عجلوا دفن جيفتكم ولا تؤخروها». فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول- ما ذكرناه من عدم اتفاقهم على موته.
الثاني- لأنهم لا يعلمون حيث يدفنونه. قال قوم في البقيع، وقال آخرون في المسجد، وقال قوم: يحبس حتى يحمل إلى أبيه إبراهيم. حتى قال العالم الأكبر: سمعته يقول: «ما دفن نبي إلا حيث يموت» ذكره ابن ماجه والموطأ وغيرهما.
الثالث أنهم اشتغلوا بالخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البيعة، فنظروا فيها حتى استتب الامر وانتظم الشمل واستوثقت الحال، واستقرت الخلافة في نصابها فبايعوا أبا بكر، ثم بايعوه من الغد بيعة أخرى عن ملإ منهم ورضا، فكشف الله به الكربة من أهل الردة، وقام به الدين، والحمد لله رب العالمين. ثم رجعوا بعد ذلك إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنظروا في دفنه وغسلوه وكفنوه. والله أعلم.
الرابعة واختلف هل صلي عليه أم لا، فمنهم من قال: لم يصل عليه أحد، وإنما وقف كل واحد يدعو، لأنه كان أشرف من أن يصلى عليه.
وقال ابن العربي: وهذا كلام ضعيف، لأن السنة تقام بالصلاة عليه في الجنازة، كما تقام بالصلاة عليه في الدعاء، فيقول: اللهم صل على محمد إلى يوم القيامة، وذلك منفعة لنا.
وقيل: لم يصل عليه، لأنه لم يكن هناك إمام. وهذا ضعيف، لأن الذي كان يقيم بهم الصلاة الفريضة هو الذي كان يؤم بهم في الصلاة.
وقيل: صلى عليه الناس أفذاذا، لأنه كان آخر العهد به، فأرادوا أن يأخذ كل أحد بركته مخصوصا دون أن يكون فيها تابعا لغيره. والله أعلم بصحة ذلك.
قلت: قد خرج ابن ماجه بإسناد حسن بل صحيح من حديث ابن عباس وفيه: فلما فرغوا من جهازه يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته، ثم دخل الناس على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرسالا يصلون عليه، حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء، حتى إذا فرغن أدخلوا الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحد. خرجه عن نصر ابن علي الجهضمي أنبأنا وهب بن جرير حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال حدثني حسين ابن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس، الحديث بطوله.
الخامسة: في تغيير الحال بعد موت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن أنس قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة أضاء منها كل شي، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شي، وما نفضنا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا. أخرجه ابن ماجة، وقال: حدثنا محمد بن بشار أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مخافة أن ينزل فينا القرآن، فلما مات رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تكلمنا. وأسند عن أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها قالت: كان الناس في عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قام المصلي يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع قدميه، فلما توفي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان أبو بكر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع جبينه، فتوفى أبو بكر وكان عمر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة، فكان عثمان بن عفان فكانت الفتنة فتلفت الناس في الصلاة يمينا وشمالا.
قوله تعالى: {أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ} {أَفَإِنْ ماتَ} شرط {أَوْ قُتِلَ} عطف عليه، والجواب {انْقَلَبْتُمْ}. ودخل حرف الاستفهام على حرف الجزاء لان الشرط قد انعقد به وصار جملة واحدة وخبرا واحدا. والمعنى: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل؟ وكذلك كل استفهام دخل على حرف الجزاء، فإنه في غير موضعه، وموضعه أن يكون قبل جواب الشرط. وقوله: {انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ} تمثيل، ومعناه ارتددتم كفارا بعد إيمانكم، قاله قتادة وغيره. ويقال لمن عاد إلى ما كان عليه: انقلب على عقبيه. ومنه: {نكص على عقبيه}.
وقيل: المراد بالانقلاب هنا الانهزام، فهو حقيقة لا مجاز.
وقيل: المعنى فعلتم فعل المرتدين وإن لم تكن ردة.
قوله تعالى: {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً} بل يضر نفسه ويعرضها للعقاب بسبب المخالفة، والله تعالى لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية لغناه. {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}، أي الذين صبروا وجاهدوا واستشهدوا. وجاء {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} بعد قوله: {فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً} فهو اتصال وعد بوعيد.